محمد بن جرير الطبري

185

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

من الأمطار إذا كانت ، فظن أن ذلك كما كان يكون ، قال نوح : « لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ » . وكثر الماء وطغى ، وارتفع فوق الجبال - كما يزعم أهل التوراة - خمسه عشر ذراعا ، فباد ما على وجه الأرض من الخلق ، من كل شيء فيه الروح أو شجر ، فلم يبق شيء من الخلائق الا نوح ومن معه في الفلك ، والا عوج بن عنق - فيما يزعم أهل الكتاب - فكان بين ان ارسل الله الطوفان وبين ان غاض الماء سته اشهر وعشر ليال . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرني هشام ، قال : أخبرني أبى ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : ارسل الله المطر أربعين يوما وأربعين ليله ، فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح ، وسخرت له ، فحمل منها كما امره الله عز وجل : « مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » ، وحمل معه جسد آدم ، فجعله حاجزا بين النساء والرجال ، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب ، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم ، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء واخرج الماء نصفين ، فذلك قول الله عز وجل « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ » ، يقول : منصب ، « وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً » ، يقول : شققنا الأرض ، « فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ » فصار الماء نصفين : نصف من السماء ونصف من الأرض ، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسه عشر ذراعا ، فسارت بهم السفينة ، فطافت بهم الأرض كلها في سته اشهر لا تستقر على شيء ، حتى أتت الحرم فلم تدخله ، ودارت بالحرم أسبوعا ، ورفع البيت الذي بناه آدم ع ، رفع من الغرق ، - وهو البيت المعمور والحجر الأسود - على أبى قبيس ، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم ، حتى انتهت إلى الجودي - وهو جبل بالحضيض من